أحمد بن محمد مسكويه الرازي

311

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

يحزن وسعد فلم يشق . ومن لم يقبل هذه الوصية ولم يعالج نفسه بهذا العلاج لم يزل في جزع دائم وحزن غير متنقص ، وذلك أنه لا يعدم في كل حال فوت مطلوب أو فقد محبوب ، وهذا لازم لعالمنا هذا لأنه عالم الكون والفساد . ومن طمع من الكائن الفاسد ان لا يكون ولا يفسد فقد طمع في المحال ، ومن طمع في المحال لم يزل خائبا ، والخائب ابدا محزون ، والمحزون شقي . ومن استشعر بالعادة الجميلة ورضي بكل ما يجده ولا يحزن لشيء يفقده لم يزل مسرورا سعيدا فإن ظن ظان ان هذا الاستشعار لا يتم له أو لا ينتفع به ، فلينظر إلى استشعارات الناس في مطالبهم ومعايشهم واختلافهم فيها بحسب قوة الاستشعار ، فإنه سيرى رؤية بينة ظاهرة فرح المتعيشين بمعايشهم على تفاوتها ، وسرور أصحاب الحرف المختلفة بمذاهبهم على تباينها ، وليتصفح ذلك في طبقة طبقة من طبقات الدهماء ، « 1 » فإنه لا يخفى عليه فرح التاجر بتجارته ، والجندي بشجاعته ، والمقامر بقماره ، والشاطر « 2 » بشطارته ، والمخنث بتخنته ، حتى يظن كل واحد منهم ان المغبون من عدم تلك الحالة حتى فقد بهجتها ، والمجنون من غبي عنها فحرم لذتها ، وليس ذلك إلا لقوة استشعار كل طائفة بحسن مذهبها ولزومها إيّاه بالعادة الطويلة ، وإذا لزم طالب الفضيلة مذهبه وقوى استشعاره وحسن رأيه وطالت عادته كان أولى بالسرور من هذه الطبقات الذين يخبطون في جهالاتهم ، وكان أحظاهم بالنعيم المقيم لأنه محق وهم مبطلون ، وهو متيقّن وهم ظانّون . ثم هو صحيح وهم رضى ، وهو سعيد وهم أشقياء وهو ولي اللّه عزّ وجل وهم أعداؤه وقد قال اللّه عز من قائل : أَلا

--> ( 1 ) . الأدهم مصدر : دهماء ، وجمع : دهم ، أي : الأسود . يقصد هنا هذه الطبقة المفترسة في المجتمع ، كالأسود في الغابة ، حيث لا يشعرون ولا يحسّون بالآم الآخرين . ( 2 ) . الشاطر : من أعيا أهله خبثا . الشاطر جمع شطّار : المتّصف بالدهاء والخباثة .